ابن عربي

70

تفسير ابن عربي

ولما وجد بوجوده ، وظهر بظهوره ، كان نور السماوات والأرض ، أي : مظهر سماوات الأرواح وأرض الأجساد وهو الوجود المطلق الذي وجد به ما وجد من الموجودات والإضاءة * ( مثل نوره ) * صفة وجوده وظهوره في العالمين بظهورها به كمثل * ( مشكاة فيها مصباح ) * وهي إشارة إلى الجسد لظلمته في نفسه وتنوره بنور الروح الذي أشير إليه بالمصباح وتشبكه بشباك الحواس وتلألؤ النور من خلالها كحال المشكاة مع المصباح . والزجاجة إشارة إلى القلب المتنور بالروح المنور لما عداه بالإشراق عليه ، تنور القنديل كله بالشعلة وتنويره لغيره . وشبه الزجاجة بالكوكب الدري لبساطتها وفرط نوريتها وعلو مكانها وكثرة شعاعها كما هو الحال في القلب . والشجرة التي توقد منها هذه الزجاجة هي النفس القدسية المزكاة ، الصافية ، شبهت بها لتشعب فروعها وتفنن قواها ، نابتة من أرض الجسد ومتعالية أغصانها في فضاء القلب إلى سماء الروح ، وصفت بالبركة لكثرة فوائدها ومنافعها من ثمرات الأخلاق والأعمال والمدركات وشدة نمائها بالترقي في الكمالات وحصول سعادة الدارين ، وكمال العالمين بها ، وتوقف ظهور الأنوار والأسرار والمعارف والحقائق والمقامات والمكاسب والأحوال والمواهب عليها ، وخصت بالزيتونة لكون مدركاتها جزئية مقارنة لنوء اللواحق المادية كالزيتون ، فإنه ليس كله لبا ، ولوفور قلة استعدادها للاشتعال والاستضاءة بنور نار العقل الفعال ، الواصل إليها بواسطة الروح والقلب كوفور الدهنية القابلة لاشتعال الزيتون . ومعنى كونها * ( لا شرقية ولا غربية ) * إنها متوسطة بين غرب عالم الأجساد الذي هو موضع غروب النور الإلهي وتستره بالحجاب الظلماني ، وبين شرق عالم الأرواح الذي هو موضع طلوع النور وبروزه عن الحجاب النوراني لكونها ألطف وأنور من الجسد وأكثف من الروح . * ( يكاد ) * زيت استعدادها من النور القدسي الفطري الكامن فيها ، يضيء بالخروج إلى الفعل والوصول إلى الكمال بنفسه ، فتشرق * ( ولو لم تمسسه نار ) * العقل الفعال ، ولم يتصل به نور روح القدس لقوة استعداده وفرط صفائه ( نور على نور ) * أي : هذا المشرق بالإضاءة من الكمال الحاصل نور زائد على نور الاستعداد الثابت المشرق في الأصل كأنه نور متضاعف * ( يهدي الله لنوره ) * الظاهر بذاته المظهر لغيره ، بالتوفيق والهداية * ( من يشاء ) * من أهل العناية ليفوز بالسعادة * ( والله بكل شيء عليم ) * يعلم الأمثال وتطبيقها ، ويكشف لأوليائه تحقيقها . تفسير سورة النور من [ آية 36